مسكن آلام البطالة الى حين

الشغل

مسيرات شباب ورقلة البطال واحتجاجهم على أوضاعهم المزرية, والمطالب الشرعية لهذه الفئة المهمشة في المجتمع قبل الدولة, تفتح مجال الحديث واسعا حول العمل بصفة عامة في الجزائر. أتذكر يوما وأنا في الحافلة وقبل أن تقلع صعد إليها طفل يحمل في يديه سلة بها بعض الحلويات والشكولاطة لبيعها, نادى لبرهة ولم يشتري منه أحد, دقائق قليلة من بعد صعد إليها طفل آخر متسول, بكى المسكين حاله وتسول القاعدين, فأغدقوه بالدنانير وكلمات العطف والحنان, وكسر صمت الحافلة بآهات الشفقة, وأدركت من ساعاتها أن مجتمعنا مجتمع عاطفي, ونظرته الى العمل نظرة قاصرة, ومجتمع لا يشجع الإنسان على العمل والاتكال على النفس في كسب لقمة العيش الحلال, ولنا عديد الأمثلة أيضا في أولياء زوجوا أولادهم وتكفلوا بعدها بإطعامهم وإطعام زوجاتهم, وفجأة يجد الزوج نفسه خارج كفالة والده لظروف وتدخل عائلته, لفترة من الزمن أو كل الدهر في نفق الفقر, ولو بحثنا في الأمثلة لوجدنا القائمة طويلة, انعكس كل هذا على أداء السلطات العليا للبلاد في تعاملها مع عالم الشغل والبطالة, وأتذكر في هذا المقام ما قرأته للمفكر الجزائري مالك بن نبي حيث يقول أن الشاب عندما يتقدم الى أي مصلحة ليطلب عملا يربطون هذه الوظيفة بالميزانية والإجراءات الإدارية وقد يرفض الطلب بسبب عجز الميزانية أو إجراء من الإجراءات, بينما الوضع يختلف لو تحمل سلطاتنا شعار هذا الشاب يجب أن يعمل, وبالتالي ستوفر كل الظروف وكل الإجراءات السليمة لتوظيف هذا الشاب حسب مؤهلاته. للأسف أصبح عالم الشغل مرتبطا ارتباطا وثيقا بالأبعاد السياسية, وخير دليل الإجراءات التي تفضلت بها سلطاتنا للشباب البطال من أجل إسكات الشارع ولو لفترة بعد كل العواصف التي هبت على كثير من البلدان العربية, بمسمى الربيع العربي, ومنها الجارتين تونس وليبيا, وأيضا مصر, اليمن وسوريا, حيث أصبح البطال يتلقى أجرا دون أن يقدم خدمة, لتختل بذلك كثير من الموازين في المجتمع خاصة ميزان العدل الاجتماعي, حيث نجد شباب يعملون ويدفعون الضرائب وفي المقابل شباب لا يعمل وتجده في طابور مصالح البريد نهاية كل شهر, يعني شباب يعمل ويدفع الضرائب لشباب لا يعمل, وهي في حسابات الخزينة ملايير ممليرة من الدينارات تدفع للشباب الذي لا يعمل نظير بعض الصمت في الشارع, وربما ألغت الدولة هذه الأجور بمجرد هدوء العاصفة. وبقليل من التفكير كان من الممكن أن تصرف هذه المبالغ في تكوين الشباب مهنيا أي يجبر الشاب على اختيار مهنة يتعلمها ويمنح له مقابل ذلك الراتب, أو يقدم أي خدمة من شأنها أن تفيد المجتمع. ها هو الآن شباب ورقلة يحتج على ما يعانيه من بطالة, وها هي بعض جمعيات المجتمع المدني تتحرك من أجل الاستثمار السياسي في الحراك بدل أن تتدخل وتبدي ما في جعبتها من أفكار وبرامج للخروج من الأزمة, ولكن بالطبع فاقد الشيء لا يعطيه, وها هو علي بلحاج احد أرقام الفيس المنحل وأحد من أفتوا في دماء الجزائريين يتحرك الى ورقلة ليستثمر اسمه هناك, طبعا حكومتنا ستتحرك من أجل احتواء الوضع بحلول ترقيعية لا تخدم مصالح الوطن ولا تخدم المعاني السامية للشغل, وسيعود في الأخير كل الى بيته راض بما أفرغته خزينة الدولة في حسابه الجاري. وعالم الشغل لا يزال تحت رحمة أسبرين البرامج المؤقتة والخاسر الأكبر الجزائر.

مراجع

صورة الموضوع مأخوذة من الصفحة التالية 

المقال على موقع نظرة جزائرية