خواطر لا تسر الخاطر

انتهت الحملة الانتخابية, والتي كانت “حملة ” بحق, بمعنى المصطلح الجزائري الذي له معنى الفيضان في اللغة العربية, حملة من الأحزاب التي اعتمدت في آخر لحظة من قبل وزارة الداخلية, والتي بلغت 21 حزبا كاملا, حملة من الأعمدة والواجهات المخصصة لتعليق منشورات الأحزاب التي بلغت 44 حزبا, ضف إليها القوائم الحرة, حملة من الإسهال الكلامي القديم الجديد المتخم بالوعود الكاذبة والكلام المعسول, و حملة أخرى من الأوراق في مكتب الاقتراع تنتظر الناخب المسكين الذي سيجد نفسه يعمل من أجل جمع رزمة أوراق قبل أن ينعزل في السرداب. شخصيا أرى أن الدولة قد تعمدت في هذه النسخة تمييع العملية الانتخابية من خلال اعتمادها لـ 44 قائمة كاملة, فحصر المنافسة على عدد قليل من الأحزاب سيجعل أحزاب المعارضة خاصة التكتل الإسلامي الجديد الملون بالأخضر من ابرز المنافسين على مقاعد البرلمان القادم, وقد أخذ بعين الاعتبار التغيرات الجديدة التي تحدث في العالم العربي والتوجه الشعبوي الذي اختار التيار الإسلامي كبديل للتيار العلماني الديكتاتوري, فالإكثار من الأحزاب هو تشتيت للأنظار والأصوات, هذا من جهة ومن جهة أخرى هو إلهاء رائع لطبقة كبيرة من الشعب, هل يستطيع أحد أن يقنع جزائريا أن البرلماني لا يفكر في الـ 30 مليون سنتيم مع مختلف المزايا التي ستكون بين يديه كممثل للشعب, وبالتالي القوائم ضمت في سطورها مجرد أشخاص لا علاقة لهم بالسياسة والقانون والتشريع, هم في الحقيقة في طابور لا يختلف عن طوابير مديريات التشغيل, وكثير من الأحزاب لا تختلف طلبات اعتمادها عن الملف التقني المالي الذي يدفعه الشاب الى هذه المصالح, والشهية فتحت لأكبر عدد من المرشحين, وكل مرشح في قائمة تدور في فلكه عائلته وقبيلته, زد الى ذلك ترشح وجوه رياضية كثيرة, ورجال أعمال الى البرلمانيات القادمة, وأعتقد أن الوصف كاف لإيضاح صورة تشتيت الأصوات, وجمع الناخبين حول الأشخاص والقوائم لا الأفكار والبرامج, حتى الأحزاب التي تحمل مشروعا وفكرا عليها أن تفكر مليا في دخول معترك الانتخابات بهذا المبدأ, بل ومجبرة أن تبحث عن الشخصيات الثقيلة المناسبة لقوائمها, إذن هناك محاولة تمييع للحملة الانتخابية, والغرض منها تمييع التشكيلة المقبلة للبرلمان والتي يتوقع لها أن تكون خالية من الأغلبية المطلقة, يسهل فيها تجميع أصحاب المستويات الضعيفة والناجحين من قوائم الأحزاب القديمة والجديدة التي لا ليس لا أصل ولا فصل في عالم الأفكار والبرامج, زيادة على قانون الكوطة الخاص بالمرأة والذي سيكرس لمنطق الكم على النوع, وسيثري المجموعة, بالأعضاء الذين لا يشكلون خطرا في مناسبات المصادقة, فصياحهم بالموافقة سهل المنال مادام المأكل والمشرب والمجيب والمرقد متوفرون باستمرار. أعتقد أن الأحزاب الكبيرة والتي لها تقاليد قد أخطأت بقبول أجواء وظروف هذه الانتخابات, وأعتقد أنها متفائلة زيادة على اللزوم بحصد الأغلبية, وبهذا تكون قد ورطت معها كل مقتنع بتوجهاتها, وفي نفس الوقت غير راضي بهذا المشهد الهزلي الذي لا يشرف الجزائر, كان على الأحزاب أن توحد كلمتها في إصلاح المشهد الحزبي في الجزائر, والنضال من أجل وضع شروط صارمة حتى يكون البرلمان الجزائري عبارة عن خلاصة المتعلمين والمثقفين. أقول في الأخير أن البرلمان الحالي لن يختلف كثيرا عن السابق, والديمقراطية عندنا لا زالت تحبو, ويحضرني هنا ما قاله أحد الصحفيين المصريين, على قناة مودرن كوورة ليلة الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية, وهو يعلق على مشاهد الفرنسيين وهم يلوحون بالأعلام في ساحة برج إيفل…إيه الجمال دا إيه الحلاوة دي…ثم يطلب من المخرج أن يعيد إليه الصور كلما عاد الى الأستوديو…ورينا تاني يا مخرج, ثم يقارن هذا المشهد بمشهد الخيم المعفنة وصورة المرشحين للرئاسيات الذين يهددون بثورة ثانية, فالخسارة تعني عندهم أن الانتخابات مزورة, وبالتالي فان ثورة ثانية آتية في كل الأحوال, وان كانت أيضا سلمية في الجزائر فإنها مجرد تقليد لديمقراطيتهم من ناحية الشكل, ولا زال الجميع يتعاملون معها كما تعاملت شعوبنا مع النقال لأول مرة.

روابط

الصورة مأخوذة من الفايس بوك وتصرفنا فيها

عدد الأحزاب المعتمدة حديثا يبلغ 21 حزبا