وكتابة تاريخ الثورة مرة أخرى تتأجل

عندما أستحضر شخصية بن بلة, تحضرني معها الكثير من المعاني, كون المرحوم أول رئيس للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية, ورغم أنه أزيح عن السلطة بعد انقلاب الراحل هواري بومدين في جوان 1965, الا أن الرجل أبان عن حكمة منقطعة النظير, وفضل الصمت خارج وداخل الوطن, وكان بإمكانه أن يطالب وبشتى الطرق بحقه المسلوب, أو يشارك بضراوة في الانتخابات الرئاسية السابقة, كما كان بإمكانه أن يصنع هنا معارضة صعبة المراس ويبقى هو في الخارج مسيرا لها, يبحث بشتى الطرق استعادة حقه المسلوب, كما يفعل اليوم الكثير من أشباه المعارضين, منتقما ممن انقلبوا عليه ذات يوم, لكن الرجل فضل الحكمة, وفضل مصلحة الوطن فوق كل مصلحة شخصية, وها هو الآن في مثواه الأخير والجميع يتحدث عنه بخير, كنت أرى كيف كان يقبل خصومه بقلب أبيض وكيف كان يضع يده في أيديهم, خصال لا يمكن أن تصدر الا من رجل غير عادي, المؤرخون يتحدثون عن أخطائه في عهدته الرئاسية, ومن هذا الذي يرأس بلدا عربيا دون سجل من الكوارث و الأخطاء, لكن الناس معادن ومعدن المرحوم بان لمعانه حين توهجت نفسه ومشاعره بحب الجزائر.

السي أحمد من مواليد 25 ديسمبر 1916 في مدينة مغنية التابعة إقليميا لولاية تلمسان غرب الجزائر, تأثر بأحداث ومجازر الثامن ماي 1945, لينخرط في صفوف حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية, وشارك رفقة حسين آيت أحمد ورابح بيطاط في مهاجمة بريد وهران سنة 1949, ألقي عليه القبض سنة 1950 وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات لكنه تمكن من الهرب سنة 1952 ليلتحق بعدها بصفوف بجبهة التحرير الوطني خارج الوطن وكان ذلك بالعاصمة المصرية القاهرة, ألقي عليه القبض مرة أخرى سنة 1956 رفقة محمد بوضياف،رابح بيطاط، حسين آيت أحمد, وسجن في فرنسا حتى استقلال الجزائر, أنتخب كرئيس للبلاد في 15 سبتمبر 1963, ولم يدم حكمه السنتين, وأزيح عنه بانقلاب عسكري في 19 جوان 1965, بقيادة وزير دفاعه هواري بومدين, الذي كان يعتبر أن بن بلة خارجا عن خط الثورة, واتهمه بالدكتاتورية واستغلال السلطة, وكان له قبلها خلاف مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة البشير الإبراهيمي بسبب تأثره بالفكر الاشتراكي الذي كان يهيمن على كثير من بلدان العالم الثالث, ليسجن حتى سنة 1980, بقرار عفو من الرئيس الشاذلي بن جديد, ليختار فرنسا ثم سويسرا منفى اختياريا له. بعد أحداث 5 أكتوبر 1988 وانفتاح الجزائر نحو التعددية, دخل أحمد بن بلة الى أرض الوطن ولا زلت أتذكر تلك الحشود الكثيرة التي توافدت على المطار لاستقباله, وأسس الحركة من أجل الديمقراطية, لكن لم يكتب لها النجاح في فترة سيطر فيها الفيس على الساحة الحزبية, ولم يمنعه هذا من إبداء رأيه من مختلف القضايا التي تهم الوطن, وعرف بمعارضته لتوقيف المسار الانتخابي, وصرح بعدم شرعية المجالس الانتقالية التي تلت إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1991, سئل بن بلة عن الثقافة في الجزائر فقال: هل توجد ثقافة في الجزائر! هل يوجد في ذهن مسؤول جزائري تقلّد وزارة الثقافة مشروع ثقافي! ألم يهن الكتاب والمفكرون!, وسئل عما يريده من الجزائر بعد ثلاثين سنة من استقلالها قال: ما أطالب به هو تحرير البلاد من التبعية والرجوع إلى الأصل العربي والإسلامي ووضع حدّ للهيمنة الرأسمالية الغربية وإقامة وحدة بين الدول المغاربية, روت أخته عنه: “كان يهرب من المدرسة، وعندما يقوم المعلم باستدعاء أبانا شيخ مبارك، ويقول له أن ابنك غائب هذا اليوم.. ليقوم أبي بعدها بالبحث عنه ليجده عند الشيخ الإبراهيمي، قبل أن يشبعه ضربا، كان يعشق السياسة، بل كانت تسري في عروقه.. وعندما كبر والتحق بصفوف الثورة كنت أزوره في السجن وحينما أقول له خفف عليك المتاعب يرد علي “لن أتراجع عن مبدأ تحرير بلادي، فإما أن تخرج فرنسا منها أو أخرج أنا من هذه الحياة…”.

لكن نقطة سوداء ستبقى عالقة في تاريخ شخصية بن بلة الى الأبد وهي قضية إعدام المجاهد العقيد محمد شعباني, الذي كان أصغر عقيد في العالم حينها, وكان يتميز بشخصية عسكرية صارمة من أهم مواقفه معارضته الاستعانة بخبرات فرنسية لتدريب الدرك, حيث قال بأنه من غير المعقول أن الجراح لم تندمل والجثث لم تدفن ونحن نستعين بهؤلاء السفاحين, في حين كان بالإمكان الاستعانة بالخبرات العربية أو من الدول الاشتراكية التي كانت صديقة للجزائر حينها, كما كانت له آراء ومواقف أخرى بخصوص الصحراء والبترول, لا يكفي مقام المقال للتفصيل فيها, وقد كشف الرائد شريف خير الدين الذي قابل العقيد شعباني في السجن وقبل الإعدام, بأن المرحوم بن بلة قد نطق بحكم الإعدام قبل أن تنطق به المحكمة, حتى أنه عجل في تنفيذ الحكم, ولم يترك له الوقت حتى للصلاة قبل أن يقتل, ومن أهم ما قاله العقيد فرنسا التي تحاكمني اليوم وليس الجزائر, طبعا لست هنا لأستأنف المحكمة, أو لتأجيج الأحقاد, ولكن أقول أن تاريخ الجزائر الذي لم يكتب بوضوح يعكر علينا نقاء الرؤية, وسيعكر على الأجيال الصاعدة حقيقة كل ما حدث إبان الثورة التحريرية وما بعدها, والغريب أن لا أحد استطاع أن يعرف ما حدث من المرحوم طيلة فترة حياته, فتاريخ الجزائر لم يكتب بكل تفاصيله والأجيال الصاعدة لا تلقن في المدرسة ولا تجد في رفوف المكتبات ما يشبع العقل والخاطر ولها كل الحق أن تعرف بالتفصيل تاريخ بلادها. وليكن اليوم الذي رحل فيه بن بلة انطلاقة جديدة لكتابة تاريخ الثورة. لا يسعنا في الأخير الا أن نترحم على كل من أحب الجزائر, وكل من ناضل من أجل تحرير الوطن, ونسأل الله أن يغفر للمجاهدين الصادقين خطاياهم, آمين.

روابط

أحمد بن بلة

هذا آخر ما تلفّظ به بن بلة قبل وفاته

”شعباني قال لي قبل إعدامه: فرنسا هي التي حاكمتني اليوم”