يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

الجبال

ليس موضوع المقال هذا البيت وإنما هي عنوان حادث طريف وقع لي خلال المرحلة الجامعية, وخلال العشرية السوداء, قصة البيت بدأت عندما قررنا نحن مجموعة من الطلبة حضور تأبين الطالب الشهيد عبد الحفيظ السعيد رحمه الله الذي اغتالته أيادي الغدر في شهر رمضان سنة 1415 هـ الموافق لـ 14 فيفري 1995 م, كان رمضان وتنقلنا من تيارت الى الجزائر العاصمة, ونزلنا ليلة واحدة في أحد الفنادق, في الصباح طلبت من صديقي في الغرفة وهو طاهر دوار أن يأتيني ببطاقة التعريف الوطنية من مكتب استقبال الفندق, لكني نسيت أن أذكره وتنقل كل واحد منا الى ولايته وأخذ بطاقة التعريف الوطنية الخاصة بي معه, وبدأت رحلة المتاعب خاصة في تلك الظروف أين كان ينتشر الجيش والأمن الوطني في كل مكان, وكل شخص يمر في أي نقطة تفتيش دون بطاقة تعريف وطنية يلقى الكثير من المتاعب, وفي الجزائر العاصمة وأنا متوجه الى محطة القطار أوقفتني نقطة تفتش خاصة بالجيش الشعبي الوطني, وطالبوني ببطاقة التعريف غير أني اعتذرت وشرحت لهم ما حصل ومنحتهم بطاقة الطالب التي كانت بحوزتي لحسن الحظ, الحقيقة المعاملة كانت حسنة وتفهموا وضعيتي ولم أجد مع نقطة تفتيش الجيش أي مشكل, وانتقلت بالقطار الى مدينة وهران, ثم الى الحي الجامعي ببئر الجير حيث أفطرت وقضيت الليلة مع ولد بلادي براوي أحمد, في الصباح وأنا أحضر نفسي للذهاب الى محطة الحافلات من أجل الانتقال الى مدينة سيدي بلعباس ظهر لصديقي أن يكتب بيتا الشعر ويطلب مني أن أحتفظ به, فكان البيت:

وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

وضعت الورقية التي كتب فيها البيت في محفظة أوراقي, وعدت الى البيت, وبعد استراحة فكرت في الذهاب الى دار الشباب كي أستريح قليلا وألعب مقابلة أو مقابلتين في الشطرنج, ولم أكن أعلم أن دار الشباب قد تم تحويلها كمقر لقوات التدخل السريع, فدخلت بصورة عفوية مثلما كنت أدخل ككل مرة فسمعت صوت صراخ فجأة:

– هههههههاي

وإذا بي أرى رجال شرطة مسلحين بالمقر

– الى أين أنت ذاهب؟

– أليست هذه دار الشباب؟

– نعم وما تريد؟

– أنا منخرط في أحد نواديها

– ألم تعلم بأنها تحولت الى مقر شرطة؟

– لا لا علم لي

– وهل تسكن في المريخ؟

– لا كنت في الجامعة وتغيبت لفترة طويلة بسبب الوضع الأمني لا أتنقل كثيرا

– أعطني بطاقة التعريف الوطني

– ليست معي

– هل جئت لتموت

– نسيتها في العاصمة عند أحد الزملاء

– فتشوه

تم تفتيشي من قبل أحد أعوان الأمن ويدي على الحائط, وفتش حافظة الأوراق بعناية, والطامة أن الوريقة التي كتب فيها صديقي بيت الشعر وقعت بنظر من فتشني, فطلب من زملائه الاطلاع على نص البيت, أجلسني أحدهم ووضع الكلاش على رجلي وسألني:

– ما تعني بحملك لهذا البيت

وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

أنت تحرض الناس على صعود الجبل أليس كذلك؟

– لا سيدي هو بيت كتبه أحد الأصدقاء, هو مجرد بيت ولا علاقة له بجبالنا

– ليس له الا هذا المعنى في زمن يعج فيه الجبل بالإرهابيين, وكل يوم يصعد يلتحق به الكثيرون

لم أكن أتخيل أن أجد نفسي في هذا المأزق ولم أفكر لثانية أن تكون هذه الوريقة سبب ورطة, لا بطاقة تعريف, وبيت من الشعر فهم على أساس أنه تحريض, لكن أحد أعوان الشرطة الذي قام بمساءلتي حاول فقط معرفة حقيقة حملي لهذا البيت, فقال لي انه لأبو القاسم الشابي, لكنك حملته معك في ظرف غير مناسب فأخبرته أنه غير مقصود ولم أكن أتوقع أن تحدث معي هذه الصدفة. بعدها تم نقلي الى مقر الشرطة, أين قام قائد الفرقة التي كانت بدار الشباب بمساءلتي ثانية, وتم البحث في سجلهم الأسود, وتم إطلاق سراحي بعدها وعلى مائدة الإفطار شبعت العائلة ضحكا من قصتي.

مراجع

صورة الموضوع مأخوذة من الصفحة التالية