السماء تبوح بجمالها في ليلة صيفية حالمة, وقد أبهرت عيون الساهرين بأنوار النجوم والكواكب, وكشفت عن ابتسامتها بدرا صافيا تتوق لتقبيله مياه البحر العاشقة. وجمعت لمحبيها أحلى ما تملك من مشاعر الدفء والراحة, ووهبتهم سبل الإيمان والتوحيد بالخالق المبدع, وأزاحت عن الناس أثقال الألبسة, وحرارة المواقد, ودعتهم الى مأدبة نعيم النسيم وعذوبة النشوة.

وكم يشتاق الصيف كلما حل ضيفا إلى تقبيل محبيه بعد طول غياب, فلاحون, وصيادون, وسائحون, وكل عاشق لدفئ الشمس والبحر.

إن الصيف لهو الشباب في ريعانه, قوة في السواعد, وصفاء في الملامح, ونشاط في العزائم, وهو بدئ النور المتوهج. وهكذا هي الدنيا تبدأ الأشياء فيها فتية, ثم يشتد فيها العود لتعانق الضعف في آخر دورة.

في مكان ما من هذا العالم الجميل, إنسان خارج المجال, يتمدد إدريس أمام عتبة بيته, يفترش لحافا رقيقا, ويتوسد يديه المتشابكتين, وقد أقفل عن مشاعره كل المنافذ. فلا هو أعتقها ولا هو أطعمها من جمال الليلة الصيفية, فصارت روحه كالقطة التي اختنقت بين جدران العجوز.

فإدريس لم يعد كما كان بعد أن طرد نهائيا من عمله دون وجه حق, ولم يحسب يوما أن تجازى سنوات الوفاء والإخلاص بعضة مسعورة. لقد نفث الإحباط سمومه في عزيمته, وجسده النحيف الذي لا يقوى على العمل الشاق, و ما وفره من مال للأيام القاسية, أذابته البطون والحاجة, ويداه الآن مكبلتين غير قادرتين على حمل القليل من الطعام إلى أسرته الصغيرة, وما عاد يقاوم نظرات الحزن والـتأثر في ملامح زوجته وأولاده.

مع أن إدريس بذل قدر ما أمكنه لتلبية حاجيات ومتطلبات أسرته اليومية, ولم يفضل يوما جيبه على فرحة يرسمها على محيا أبنائه.

واصطفت أمام عينيه عشرات صور الأيام الجميلة, المليئة بالابتسامة والمرح, وتداولت ملامح كل الأسرة أمام عينيه, فحالت بينه وبين جمال الليلة الصيفية المليئة بألوان الحياة والأمل, وتدفق الدمع على الخد يسقي في نفسه بذور اليأس.

وتحركت فيه النفس الأمارة بالسوء وهي أبلغ قولا وأمضى لسانا -في حبك الزلات والكبائر, كما تحبك العنكبوت بيتها الواهن.

– ” أي وجه تقابل به عائلتك, وأية كرامة وأية رجولة, بعد ما أنت عليه من ضعف ووهن, عدت لا تصلح لشيء يا إدريس”

” أنت لسان حال المظلومين, وشعار المقهورين. أرسل رسالتك للعالم وارحل من هذه الأرض وعجل بلفظ أنفاسك, فما عاد في هذه الدنيا من ينصف الوفاء والإخلاص, وما عاد في البقاء من طمع!”.

تزحف نفسه الأمارة على مشاعره المنهارة كما يزحف الثعبان إلى فريسته, تنفث شحيح الموت في أذنيه, وتغرز نصلتها في إرادته, وتسقي بسّمها بذور يأسه:

” وما الحياة؟ سجن للهوان والظلم, وقهر لذوي الأرواح الطيبة والمخلصة والوفية. والأحرار لا يقبلون بقضبان الظلم والطغيان والذل. هيا للعالم الأرحب, فما عاد لك في هذه الدنيا من بقاء, دنيا أصبحت فيها الأخلاق جريمة والجريمة فضيلة.!”

يرد الضمير منهارا وبصوت خافت, كمن ضل في الصحراء وجف حلقه من العطش, وراح يحبو من شدة الضعف, عله يجد ماء يطفأ به ظمأه:

“إنهم أبناءك, وزوجتك, أتتركهم لقساوة الزمن, وقلة الحيلة؟..لا تنصت لهذه العنكبوت اليائسة, التواقة إلى حبك الأكفان, تكفن حبّك لزوجتك وأولادك, قبل أن تكفن جسدك المنهار.”

“دوام الحال من المحال يا إدريس, ولا يتسع الأمر حتى يضيق. هل تساوي قبلة ابنتك على خدك, بقطعة خبز”

تطفو بسرعة نفسه الأمارة الى حلقه قبل أن تتمكن منه كلمات الضمير

” كل مخلوق ماض إلى اللحد, ومن يقضي آلاف السنين كمن يدخل من باب ويخرج من آخر, وإذا تأخرت في الرحيل افترستك الشدائد وتلاعبت بك الأيام بمظالمها, وقذفت بك متسولا في الشوارع, أو ذليلا بين فتات الصدقات, الموت خير من قبلة حزينة على خدك, أو شفاه أرهقها الجوع.”

” ألا ترى أن كل مخلوق على هذه الأرض يتمنى لو أنه لم يبصر هذه الحياة, فقد مل الخلق مشاقها ومل من مشاعر اليأس والإحباط, وتاق إلى الموت حلا للنجاة بنفسه, فالأموات سجناء تقيأتهم مشاق الحياة.”

” الموت حرية, فكل من يعجل في الرحيل ينعم بدفء التراب, وما الفرق بين وليد الساعة وشيخ الدهر, كلهم للثرى, وما اسعد من ينجو بنفسه من الحياة اليوم قبل الغد.”

استجمع الضمير قواه :” لا.. لا تفعل يا إدريس.”

وضحكت النفس الأمارة ضحكة الانتصار, وأكملت بثقة الغالب:

” أما اقتنعت يا إدريس أن ما بقي من حياتك لهو لب المرارة, وانك لكاره أن تشرق عليك شمس هذا الصباح, ما ترك المعمرون وراءهم, وما ترك أصحاب الألقاب والأمجاد, كلهم في أقفاص الصمت, ولكن برحيلك عن الحياة ستترك رسالة للعالم, وموقفا للأجيال, لا للظلم والقهر والطغيان”.

” إلى الجسر يا إدريس, فهناك عرس خلاصك, الآن قبل طلوع الفجر, وليكن شروق شمس الصباح, حديث المدينة, كل المدينة, عن إدريس الشجاع. وليعلم العالم أن فيه أحرارا لا يرضون أن يكون فيه للظلم بقاء.”

وتراءت بين أعين إدريس جنة الدجال, ومضى إلى جسر المدينة يتوق إلى خضرتها المزيفة, يريح فيها نفسه إلى الأبد. وقد اصطفت الشياطين على مشارفه مرحبة بالوافد الجديد, ضاحكة مصفقة مصفرة:

” مرحا بالبطل, مرحا بالبطل”

” موعدك اليوم مع جنة الخلد يا إدريس لا تظمأ فيها ولا تشقى, ولك في هذه الدنيا موعد مع التاريخ, سيكتبون عنك وعن موقفك, فمرحا لك بالخلود والمجد”

يستسلم الضمير إلى ضعفه يمرغ وجهه في الرمال من شدة العطش والإجهاد.

وأطل إدريس على هاوية الوادي الحجري, وإذا بكل من مر على جسر الموت قد عاد إلى الحياة, يلوحون له بأيديهم وبألحان كأنها المجموعة الصوتية, تخدر السمع والعصب:

” تعال يا إدريس..هيا تعال”

“أسلم يداك للريح.. فالجنة هنا..وهناؤك هنا..وهنا السلام ..هيا تعال”

وجثمت نفسه الأمارة على صدره وقلبه, تحبك بكلماتها آخر عبارات الغدر:

” اقفز إليهم يا إدريس, إنهم الأصدقاء والأخلاء, إنظم إلى الشهداء شهداء الظلم والذل والطغيان.”

” الآن يا إدريس الآن.. قبل أن يفيق الأحياء”

وتسلقت الرجفة عظامه, وغزت القشعريرة جلده, وكاد أن يستسلم للهاوية لولا لطف الله.

” لا اله إلا الله يا إدريس, استغفر, وإنعل الشيطان الرجيم… لا اله إلا الله….رويدك يا إدريس..رويدك”

تصرخ زوجته بجنون ومعها ابنها الصغير يكاد يسقط من ذراعيها من شدة ما هرولت, تسحبه, وينهار من فرط ما كان فيه, ويسارع إليه ابنه يعانقه:

“أبي..أبي”

” إلى أين كنت ذاهبا…, إلى هاوية جهنم, إلى النار, إلى غضب الله, هل اشتكيت لك ضيق الحال, هل اشتكى لك أحد أبنائك, نحن صابرون على ما قدر لنا. ولا يوجد على هذه الأرض من مات من الجوع, لمن أردت أن تتركنا, وليس من يعيلنا غيرك” تقول زوجته بلحن البكاء والحزن يخنق أنفاسها:

 

” لا طعم للحياة بدون مصاعب يا إدريس وهي امتحان الإنسان الصابر والمحتسب, والمتوكل على الله. وهذا ليل نهايته شمس الصباح والأمل.

” أبيع كل ما لدي من ذهب, ونبيع ما لا نحتاجه من الأثاث, ونتوكل على الله في تجارة نربح منها بعض المال, والصبر مفتاح الفرج ولا اله إلا الله محمد رسول الله.”

تجري كلماته في عروقه مياه عذبة مباركة, تسقي جفاف إيمانه وتمحي الخراب الذي ألحقته نفسه الأمارة بكيانه. وتأهب فيه الضمير للنهوض من سكرته وقد ارتوى من ماء عذب بارد.

” الحمد لله, الحمد لله”


كتبت سنة 2009