من يكتب للطفل؟ وماذا يكتب؟

هو أحد الأنواع الأدبية التي ليست متاحة لجميع راكبي اليخت الأدبي, فكونك روائيا أو قاصا أو شاعرا ليس بالرصيد الكافي لأن تكتب للطفل, فهذا النوع من الأدب هو موهبة بالدرجة الأولى ومعرفة عميقة بأغوار نفسية الطفل واطلاع كاف على تفاصيل مجتمعه واهتماماته أيضا, خاصة عندما نعرف أنه موجه الى الأطفال ما دون سن المراهقة, لذا نجد في هذا النوع من الأدب من يعطيه كل وقته بل ومن يتخصص فيه دون غيره من الألوان الأدبية, قد نختصر القول, إليك بورقة وقلم وحاول أن تكتب شيئا للطفل, طبعا ليس سهلا, وإن كان بالإمكان لأي شخص أن يكتب شيئا سطحيا أو مستفزا لابتسامة أو ضحكة طفل, لكن من الصعب أن تبلغ رسالة أو أمرا تربويا من خلال نص, للأسف عالم أدب الطفل أصبح تجاريا الآن وأصبحت تطغى على المطبوعات الموجهة للأطفال الأشكال الجميلة والألوان الساحرة التي تستميل ذوقه, ولكن بمحتوى كارثي, وحتى الأعمال التي يمكن أن نقول عنها أنها جادة, لا تراعي في كثير من الأحيان خصوصيات الطفل, فنجد فيها مفردات لا تليق بمستواه وأسلوب يصعب معه تخيل تفاصيل القصة وتفوت عليه الاستفادة من العبر والدروس, لا يمكن لإنسان لم يجرب عالم الأبوة أن يكتب للطفل وكيف له أن يفعل ولم يعش انفعالات أبنائه, ولم تلمس دموعهم خده ويده, ولم تسمع آذانه قهقهاتهم, ولم يزه وجدانه وخاطره بلحظات فرحهم وسرورهم ولم يتألم بعد في اللحظات التي يتألمون فيها, كيف لإنسان أن يكتب للطفل ولم يعش هذا العالم من الداخل, وبالتالي يبدو لي أنه من السهل أن نقيم عاطفة أي كاتب يدعي أنه يكتب للطفل بسؤال بسيط, هل لك أبناء؟, ونذهب أبعد من ذلك إذ لا يكفي أن تكون أبا بل لا بد من الزاد العلمي الذي يسمح للكاتب من معرفة نفسية الطفل في مختلف أطوار نموه, فحاجيات ومستوى إدراك الطفل في المرحلة ما بين 3 و 6 سنوات, تختلف عن المرحلة ما بين 6 و 10 سنوات, وتختلف عن المرحلة ما بين 10 و 18 سنة, فهناك تغيرات بارزة من حيث نمو الجسم ومستوى وعي وإدراك الطفل بمحيطه وعائلته ومجتمعه, فعلى الذي يريد أن يكتب للطفل أن يكون ملما بعلم نفس واجتماع الطفل, وقد نذهب بعيدا حين نقول أن هذا لا يكفي فالكاتب هو بحاجة أيضا الى الموهبة والإبداع في توظيف أبياته الشعرية, أو قصصه القصيرة, أو مشاهده المسرحية, وان كانت الموهبة هبة من الخالق فان الاحتكاك الدائم بعالم الطفل ينمي موهبة الكاتب أكثر وتزيد من رصيد الإبداع عنده, وأكاد أجزم بالقول أن الناجحين في عالم الكتابة الأدبية للطفل هم الأشخاص الذين كانوا كتابا وهم صغار, مولعين بكتابة يومياتهم, ورحلاتهم ووصف أشياء أعجبتهم, وحتى كتابة أشعار وقصص قصيرة حسب مستواهم, لنجرب لو أن أي إنسان يحتفظ الآن بشيء كتبه وهو صغير أن يجرب بإعطائه لطفل في نفس السن التي كتب فيها النص ويرى مدى تفاعل وتعلق الطفل بالمحتوى, والسر في نجاح الكتابة للطفل أن يتحول كاتبنا الكبير الى طفل صغير لحظة الكتابة, وهو أمر غير متاح للجميع, أن تكون أبا يعيش بعمق مشاعر أبنائه, له ثقافة عالية حول نفسية ومجتمع الطفل, وأن تكون لك قدرة الرحيل بأعماقك وتتحول الى طفل لحظة الكتابة. لقد اطلعت على كثير من المراجع تضع مجموعة من الشروط والنصائح حتى ينجح أحدهم في كتابة نص للطفل, وبدا لي ذلك أمرا عبثيا فلا يمكن أبدا أن تقدم دروسا في الرسم لشخص لا يملك الموهبة, ولا يملك خيال الرسام وأحاسيسه, فعندما يتحول الإنسان الى طفل لحظة الكتابة سيكتب من قاموس الطفل, ويرسم في نفسه خياله وانفعالاته دون أن يستدل بقائمة من الإرشادات والنصائح. عالمنا العربي والإسلامي كم هو بحاجة الى مثل هؤلاء الموهوبين لنربي أجيالنا على قيمنا ومبادئنا, ” إنني لا أكتب للأطفال، إنني أكتب للمستقبل، لأن الأطفال هم المستقبل الأحلى والأجمل ، وإذا لم نكتب لمستقبل أمتنا العربية ، ونتجه إليه بكل ما نملك من طاقات، فلمن نكتب؟ ولمن نتجه؟”..” الآن أدركت بأن الطفل الإسرائيلي هو الذي هزم الطفل العربي، لأن ذلك الجندي الإسرائيلي كان طفلا وقد تعلم ما يهزم به الجندي العربي الذي كان طفلا ولم يتلق شيئا يهزم به الجندي الإسرائيلي” سليمان العيسى(1).

فالأمر يستحق أن يوصف بالخطير ويشرح لنا هذا الوصف حديث نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم عندما قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : ” كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ , فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ , كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ “(2). شرح الحديث لوحده يستحق كتابا منفصلا لا مجرد فقرة أو مقال, لأن الوالد إن يكن المسئول المباشر عن التهويد والتمجيس والتنصير, كان المسئول الغير مباشر, ويطرح السؤال نفسه هنا بقوة هل الآباء مطلعون حقا بالرسائل المشفرة التي تحويها كل النصوص المكتوبة والشفهية التي يتلقاها أبناؤهم, حتى وان كان الابن مسلما, فهناك أمور أخرى يتلقاها تحدد شخصيته بنسبة كبيرة عندما يكبر, فهذه الكلمات القليلة ربما تكفي للتعبير عن معنى كلمة خطر, وتزيد من ثقل المسؤولية على الجميع ودليلنا في هذا ما قاله عمر الفاروق رضي الله عنه, (لا تربوا أبنائكم علي طباعكم فقد ولدوا لزمان غير زمانكم), وان كان القول قد ورد بصيغ عديدة الا أنه حافظ على معنى تربية الأولاد على غير طباعنا, وليس متاحا للجميع فهم معنى على غير طباعنا, وأن يشرح لنا على أي طباع إذن, وكيف هو هذا الزمان الذي لا يشبه زماننا, ثم كيف يمكننا أن نوصل ذلك من خلال نصوص أدب الطفل؟؟؟

هوامش

(1)1921 م شاعر سوري.

(2) صحيح مسلم, كتاب القدر الحديث رقم 4810 .

مراجع

صورة الموضوع مأخوذة من هذه الصفحة

ويكيبيديا الموسوعة الحرة

موقع إسلام ويب

الحوار المتمدن