تطور أدب الطفل في التاريخ العربي الحديث

يؤرخ لقصة الأسد والغواص كأول قصة من التراث العربي, وتعود أوصلها الى سنة 1135م حسب ما جاء في مقدمة الكتاب الذي قدم له الدكتور رضوان السيد والذي تم طبعه ونشره من طرف دار الطليعة للطباعة والنشر في طبعته الأولى سنة 1978 م, والطبعة الثانية سنة 1992 م, , ونسخت لأول مرة بتاريخ 1543 م, ولم يذكر في هذه النسخة لا السنة التي نسخت فيه و لا كاتبها, فيما تحتفظ دار الكتب المصرية (أدب-تيمور) بالمخطوطة الثانية للحكاية ويعود تاريخها الى سنة 1911 م, لكن هذه النسخة كانت ناقصة وأسقطت فيها عدة مشاهد من القصة, وهو ما تم الوقوف عنده بعد الاطلاع على نسخة أخرى في الهند ترجع الى تاريخ 1718 م, وهذا التاريخ كان مذكورا في النسخة الهندية, وسد النقص الموجود في نسخة الإسكندرية, حيث اتضحت فيها عقدة القصة أكثر لكن رغم ذلك بقي فيه غموض وطمس في فهم القصة ككل.

أدب الأطفال بالشكل المتعارف عليه حاليا في العصر الحديث للعالم العربي بدأ بمحاولات لترجمة أعمال غربية, يؤرخ لأول بداية للأديب محمد عثمان جلال(1) الذي ترجم الحكايات الشعرية الخرافية للشاعر الفرنسي لافونتين إلى العربية سماها خرافات لافونتين وله ترجمة أخرى وهي خرافات بول و فرجينى, ومن أهم أعماله العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ وقد شرح في المقدمة أن الواضع لحكايات الكتاب الأول هو ايتوب وقد تحدثنا عن هذه الشخصية في مقال سابق, والكتاب هو عبارة عن حكايات أغلبها على لسان الحيوانات للأطفال في قالب شعري جميل, حتى خاتمة الكتاب نظمها المؤلف على شكل قصيدة جاء فيها:

من الكتاب حين تم الطبع تكلم الذئب له والسبــــــــع

وختل الغراب فيه الثعلب وغلب الليث العظيم الأرنب

فكل ما قيل عن البهائـــم مقصده التعليـــــم لابن آدم

والأبيات المذكورة تبين البعد التعليمي والتربوي لقصص الكتاب, ومن خلال أشعار الكتاب يتمتع الطفل من خلال جمالية اللغة وعذوبتها بالحكايات المختلفة التي جسدتها الحيوانات ويتعلم الكثير من العبر ويتلقى الكثير من التربية والأخلاق من خلالها بطريقة غير مباشرة, فيما تبقى من الأبيات يقول المؤلف الشاعر:

حوادث الأزمان فيه جمعت في حكم بروقها قد لمعت

وصبحه زحزح ليل الجهــل بكل تركيب لطيف سهـــل

وازداد بهجة برسمه الصور كالعين تزداد جمالا بالحور

خلال نفس القرن انتعشت ساحة أدب الأطفال بمصر بمجلة روضة المدارس المصرية, أسسها كل من علي مبارك(2), رفاعة رافع الطهطاوي(3), وصدر أول عدد يوم السبت 15 من المحرم عام 1287 هـ الموافق لـ 16 أبريل سنة 1870 م, وكانت تهتم بنشر مقالات تربوية لتلاميذ المدارس, وكتب فيها الكثير من الوجوه الأدبية المصرية.

سنة 1898 م كانت سنة مميزة بصدور الجزء الأول من الشوقيات لأمير الشعراء أحمد شوقي(4), وفي مقدمة الكتاب شرح وافر لتطور الكتابة الأدبية في مصر وكيف تأثرت بالأدب الفرنسي خلال فترته الاستعمارية: ” فلما جاء الفرنسيون الى مصر, وتغلغلوا فيها, وسارت مع حملة الجنود, حملة العلماء, رأى المصريون مظهرا جديدا من مظاهر الحياة لم يكن لهم في تاريخهم الأخير به عهد “, واصفا حالة الأدب التي كانت قبل الحملة الاستعمارية: وانك لتعجب حين تقرأ كاتبا كالجبرتي أو ابن إياس لضعف تأليفه ولغته, ولسقم ما فيه من آثار الأدب شعرا كانت هذه الآثار أم نثرا “, حتى أن المقدمة تتحدث عن الاختلاف الموجود بين شوقي الذي درس بمصر, وشقي الذي أتم دراسته في الخارج: ” وإنك لتشعر حين مراجعتك أجزاء ديوانه –بعد أن يتم نشرها جميعا- كأنك أمام رجلين مختلفين جد الاختلاف لا صلة بين أحدهما والآخر, الا أن كليهما شاعر مطبوع يصل من الشعر الى عليا سماواته, وأن كليهما مصري يبلغ حبه مصر حد التقديس والعبادة. “, ويعبر عن تأثره بالأدب الفرنسي خاصة ذلك الموجه للطفل عندما يقول: ” جربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب لافونتين الشهير، فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث اجتمع بأحداث المصريين، وأقرأ عليهم شيئاً منها فيفهمونه لأول وهلة، ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره، وأنا أستبشر لذلك، وأتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة، منظومات قريبة المتناول، يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم “, ويشجع أدباء عصره على الاهتمام بهذا اللون من الأدب ” وهنا لا يسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران، صاحب المنن على الأدب والمؤلف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين منهج العرب. والمأمول أن نتعاون على إيجاد شعر للأطفال، وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية “.

خلال نفس القرن صدر كتاب النفثاث لرزق الله حسون(5) من سوريا، سنة1867 م, وهناك من يعتبره أول محاولة عربية في مكتبة الطفل العربي الحديثة.

وظهر بعدها على الساحة الأدبية الكثير من الأدباء والكتاب الذين اهتموا بأدب الأطفال, مثل الكاتب والمربي علي فكري(6) الذي أصدر سنة 1903 م كتابه مسامرات بنات, وكتابه النصح المبين في محفوظات البنين سنة 1916 م, وله كتب أخرى كالسمير المهذب في أربعة أجزاء, وآداب الفتى, وهي عبارة عن كتب تربوية إسلامية.

سنة 1912 م أصدرت دار المعارف قصة القطيطات العزاز لمحمد حمدي وجورج روب(7) وهي محاولة أخرى يرى فيها البعض الآخر أنها من المحاولات الأولى في عالم كتاب الطفل العربي.

شخصية أخرى أدبية اهتمت كثيرا بأدب الطفل وهي شخصية إبراهيم العرب (8)الذي أثرى مكتبة الطفل العربي بعدد كبير من الأعمال الأدبية, كمجموعته الشعرية الموجهة للأطفال منها سلسلة سمير الطفل من ثلاثة أجزاء, صدرت له سنة 1923 م، وكتاب في أغاني الأطفال بعنوان شمس الضحى سنة 1938 م، وعدد من التمثيليات الشعرية كالذئب والغنم سنة 1926 م. تتلمذ إبراهيم العرب على يد أستاذه رفاعة رافع الطهطاوي, وتأثر بالشاعر والأديب محمد عثمان جلال الذي كان مهتما بترجمة أعمال لافونتين, له ديوان آداب العرب الذي طبع سنة 1911 م وقررته نظارة المعارف على طلاب المدارس، وأعادت طباعته عام 1989 م الهيئة المصرية العامة للكتاب.

أيضا الأديب كامل الكيلاني(9) من الأدباء الذين تخصصوا في أدب الأطفال وقد جمع إنتاجه الفكري فبلغ 196 قصة وتتحدث مراجع عن وجود حوالي 1000 عمل أدبي موجه للأطفال, وقد قسم الكيلاني قصصه الى أربع مراحل: مرحلة رياض الأطفال, مرحلة الطفولة المتوسطة, مرحلة الطفولة المتأخرة, المرحلة الثانوية.

أول ما كتب في عالم القصة السندباد البحري وهي قصة من أشهر قصص ألف ليلة وليلة, أعاد صياغتها وبسطها ليقرأها الأطفال, من أعماله أيضا: أصدقاء الربيع, زهرة البرسيم, في الاصطبل, أسرة السناجب, العنكب الحزين, والنحلة العاملة. وكتب أخرى كثيرة, أحصيت بين 250 مؤلف بين كتابة وترجمة لقصص أخرى كقصة روبنسون كروزو(10), كما ترجمت قصصه الى لغات عديدة كالصينية والروسية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية, ويعتبر أول من خاطب الأطفال عبر الإذاعة وهو أول مؤسس لمكتبة الأطفال في مصر, وكان يرى بأن قصص الأطفال يجب أن تكتب باللغة العربية الفصحى, وتراعي في محتواها الجانب التربوي والأخلاقي,

ومع تطور دور النشر والطباعة خلال القرن التاسع عشر والعشرون, انتعشت الكتابة للطفل, وتفننت الدور في إصدار كتب الأطفال من الناحية الجمالية حتى تتناسب مع أذواقهم وميولاتهم, وشهدت الساحة الأدبية غزارة في إنتاج الكتب خاصة مع تحرر كثير من البلدان العربية من الاستعمار وتفرغها لمرحلة البناء والتشييد, وأسست المدارس بمختلف أطوارها, وزاد الاهتمام بتربية الأجيال, لأن الطفل هو معلم وطبيب وأديب وباحث المستقبل, واهتمت الحكومات والأسر بثقافة الأبناء ولو أنها لحد الساعة لا زالت تراوح مكانها وأصبح أدب الطفل هدف أطماع تجارية في كثير من الأحيان.

في الحقيقة هذه الأسطر القليلة لا تكف لسرد حقيقة تاريخ أدب الطفل الذي لا زال بحاجة ماسة الى دراسات عميقة ودقيقة لكشف أهم المراحل التي مر بها, وحقيقة المحتوى الذي تضمنته كتب أدب الطفل عبر كل هذه المراحل, بل وأقول أن دراسة شخصية واحدة من شخصيات هذا المقال, لن تف حقها الا دراسة منفصلة من جزء أو عدة أجزاء.

 هوامش

(1)1829-1898 م شاعر ومترجم وأديب مصري, من أعماله أيضا, عطر الملوك, الروايات المفيدة في علم التراجيدة, مسرحية الشيخ متلوف. وفي سنة 1875 م ألف الكاتب رافع رفاعة الطهطاوي كتابه المرشد الأمين في تربية البنات والبنين وهو كتاب ذا بعد نفسي اجتماعي لأنه يتناول العلاقات الأسرية وتربية الأبناء, وهناك من يؤرخ لهذا التاريخ كبداية لأدب الطفل الحديث, وله ترجمة لمغامرات تلماك القصة الفرنسية الشهيرة التي أكمل ترجمتها في السودان, وترجم من الانجليزية أيضا قصة عقلة الأصبع, كما كان له دور كبير في إدخال قراءة القصص في المنهج التربوي.

(2)1823- 1893م تقلد عدة مناصب إدارية وحكومية, مؤسس دار العلوم لتعليم اللغة العربية سنة 1872 م,ومؤسس دار الكتب سنة 1870 م من مؤلفاته علم الدين, الهوام والدواب, تقريب الهندسة, حقائق الأخبار في أوصاف البحار, الخطط التوفيقية الجديدة, تنوير الإفهام في تغذى الأجسام, نخبة الفكر في تدبير نيل مصر.

(3) 1801-1873م رغم المسؤوليات التي تحمل الا أنه قام بترجمة أكثر من 20 كتاب, وأشرف وصحح على كثير من أعمال الترجمة, من مؤلفاته: المرشد الأمين في تربية البنات والبنين, أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل, نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز.

(4)1868- 1932م نبغ أيضا في المسرح ومن أعماله مصرع كليوباترا وقمبيز، و مجنون ليلى، وعنترة، وعلي بك الكبير”، وله مسرحيتان هزليتان، هما الست هدي, والبخيلة”.

(5)1825-1880م أصوله أرمنية, يتقن اللغة الفرنسية والتركية الأرمنية والعربية, مؤسس جريدة مرآة الأحوال عام 1855 م خلال الحرب التركية الروسية, وتعتبر أول جريدة عربية غير رسمية, أصدر مجلة عربي أخرى سماها رجوم وغساق إلى فارس الشدياق.

(6)الغريب أني لم أجد ترجمة لهذا الأديب على الشبكة, من مؤلفاته أيضا أحسن القصص في خمسة أجزاء, الأسرة والحياة العائلية, تربية البنات وآداب الفتاة.

(7)للأسف المعلومات على الشبكة شحيحة بخصوص الكاتبين والقصة.

(8)1863 – 1927 م ولد في الإسكندرية وتوفي بها, ويرى بعض النقاد أن بعض من أعماله لم تخل من قلق في المغزى وغموض في بعض الألفاظ.

(9)1897-1959م أديب مصري أطلق عليه النقاد لقب رائد أدب الطفل, له كتب أخرى منها: نظرات في تاريخ الإسلام، ملوك الطوائف، مصارع الخلفاء، مصارع الأعيان.

(10)قصه كتبها دانيال ديفو، نشرت للمرة الأولى سنة 1719. هي سيرة تخيلية تحكى عن شاب انعزل في جزيرة وحيدا لمدة طويلة ليقابل أحد المتوحشين الذي علمه بعض ما وصل إليه الإنسان المتحضر. وفى نهاية القصة يعود روبنسون كروزو ومعه خادمه إلى أوروبا حيث المدنية والتحضر.

المراجع

الصورة مأخوذة من هذه الصفحة

ويكيبيديا الموسوعة الحرة

موقع القصة العربية

منتديات المحيط العربي

معجم البابطين لشعراء العربية

الموسوعة العربية