على كثبان الرمال وعلى بساط الصحراء الأصفر الذهبي رجفة تعانق ندا الصباح, وأشعة الشمس الدافئة تنعش حبات الرمل العطشى لضحكة الشروق.

وفي أبو ظبي آفاق اتشحت وتزينت بألوان الفرح وسماء تعانقت فيها الغيوم لتبوح بأمطار الورد والعطر. تحية النسيم إلى قلعة الحصن, وقد أكرمها المولى الواهب بمولود بهي الطلعة زايد بن سلطان آل نهيان, فالسنة الثامنة عشر تسعمائة وألف زاهية بالحدث وحامدة لنعمة الخالق وقد اختارها مهد الرجل الموعود.

وأعلنت البشرى في أبو ظبي وزفت الصقور الخبر في كل القبائل, وزغردت الرياح الطيبة في كل الأركان, تزرع فيها بهجة الحياة وتلقح الواحات المنشدة طلع الابتسامة والفرح.

إنها لريح طيبة ترسم البشرى على الشفاه وتنسي العقل شرور القدر والحياة.

وان كان الطفل البهي قد وعى عالمه, وفتح عينيه في زمن شحيح من المدارس إلا من كتاتيب قليلة, إلا أن والده خصه بمعلم يعلمه أصول الدين وحفظ القرآن الكريم, ليكتشفه متفوقا وذا شأن رغم رفضه للتعلم أحيانا وتمرده على معلمه أحايين أخرى.

وفي السابعة من عمره يحتضنه والده بجناحيه يرتاد به مجالس المشايخ يعلمه الأصول والقيم العربية من مروءة, وكرامة, وشرف وشهامة, ويعلمه أصول الحوار وآداب الحديث. كيف يأخذ من الدنيا محاسن المواقف, ويترك ما ساء من تجارب الأيام ومن أخطاء البشر, ليثمر خريف الحرث والبذر الذي انتهجه الوالد مع ابنه, فتى في عز ربيع المعرفة, مولع بالأدب العربي وتاريخ الأجداد وبطولاتهم, يستلهم منه الأفكار والعبر, وفارسا من فرسان الصحراء الأشداء, يجيد ركوب الخيل ويتقن فنون الصيد والقنص, ملما بأصول القتال وخباياه, شجاعا لا يقرب حدوده التردد أو الخوف.

لكنها ألغاز الحياة, تسكت خفقة الجناح الضارمة التي كانت ترعاه إلى الأبد, بعد أن فرق الموت بينه وبين والده وهو في التاسعة من العمر. لينزوي الطفل المارح اللاهي عن الأقران والأصدقاء إلى صومعته حزنا على فراق الوالد الصاحب.

لكنه بستان الحياة يسقي بالأزمات والمحن عود الرجال العقلاء, فيثمرون الفراسة والحكمة. وعاد إلى أحضان الفروسية والمغامرة والتحدي, واستكشاف أغوار الصحراء, وقد امتلأ قلبه وعقله بحب وطنه وشعبه, وترصعت رجولته بلآلئ الرحمة واللين, حتى على الحيوان وهو من أحجم عن صيد الظباء بالبنادق”: في ذات يوم ذهبت لرحلة صيد في البراري، وكانت الطرائد قطيعاً وافراً من الظباء، تملأ المكان من كل ناحية، فجعلت أطارد الظباء وأرميها، وبعد حوالي ثلاث ساعات قمت أعد ما رميته فوجدتها أربعة عشر ظبياً، عندئذ فكرت في الأمر طويلاً، وأحسست أن الصيد بالبندقية إنما هو حملة على الحيوان، وسبب سريع يؤدي إلى انقراضه، فعدلت عن الأمر واكتفيت بالصيد بالصقور “.

ألا هنيئا للبشر, والحيوان والشجر, فالرجفة التي اختلجت رمال الصحراء, ستزيح عنهم بطش البشر, وترسم فيهم ألوان السلام, وألوان الخضـــرة والثمر, ألا هنيئا لهم بالرجل الموعود, قاهر الصحراء.


في الثمانية والعشرين من عمره يبصم الشاب زايد نسيم مدينة العين بأنفاسه, ويجدد ألوان الألوان في كل ما تحتضنه من أشكال. فهو الآن حاكم على المدينة, وهي الآن لوحة بيضاء بريئة, بين ريشته وألوانه.

أول رسوم الفنان, مجلس أقامه خارج قلعة المدينة تحت شجرته المفضلة, يبحث في واقعها ويصالح بين المتخاصمين, فلا يدخل اثنان مجلسه إلا ويخرجان بسريرة نقية وقد رضيا بحكمه. ليرسم بذلك أصول معاملاته مع الناس, يقول الشاب الفنان:

” إن بابنا مفتوح وسيظل دائماً كذلك, ونحن نرجو الله أن يجعلنا دائماً سنداً لكل مظلوم. إن أي صاحب شكوى يستطيع أن يقابلني في أي وقت. ويحدثني عن مظلمته مباشرة.”

وشهد له الرحالة البريطاني ولفرد ثيسنجر في كتابه الرمال العربية ” إن زايد رب أسرة كبيرة يجلس دائما للاستماع إلى مشاكل الناس ويقوم بحلها ويخرج من عنده المتخاصمون في هدوء وكلهم رضا بأحكامه التي تتميز بالذكاء والحكمة والعدل.”

ولم يكن المجلس الرسم الوحيد, فينبوع الفنان لا يكاد ينبض من الصور الرائعة للتنمية, حيث رسم في المدينة أول سوق تجاريـــــة, وشبكة للطرقات, ورسم المدرسة النهيانية وهي أول مدرسة بمدينة العين, ورسم المستشفيات والعيادات الطبية. وما يشد الانتباه في لوحاته حبه للون الأخضر, فرسم المساحات الخضراء, ورسم المزارع البسيط مستقرا في أرضه يزرعها ويرعاها.

فالزراعة لم يكن لها المفهوم البسيط للحرث والزرع, بل كانت علاقة حب, علاقة الكرامة والشهامة والشرف.


في الثمانية والأربعين, يمتطي الفنان صهوة المسؤولية في أبوظبي. و زادت هذه المرة على لمسات الريشة, لمسات المهندس البارع, والشاعر المرهف, يحيط بكل صغيرة وكبيرة ثم يشعلها شرارة في مواضع النقص, فتطيعه الأفكار المبدعة والحلول القيمة, فتتدفق مشاريعا لا تحصى وقد استنزلت من عقل مبدع وحكيم.

وهاهي أبو ظبي المتمددة على الرمال, تستيقظ على هدير ورشات البناء, والتنمية التي مست جميع القطاعات, من السكن والصحة والطرقات, والتعليم, والنقل, والاتصال والجسور. وانتقل الآلاف من الأكواخ إلى البيوت العصرية, حيث الكهرباء والمياه العذبة. وفتحت عشرات المدارس لمحو الأمية, ولم ينس المهندس لمسات الريشة فعاد للون الأخضر, يصبغ به الرمال الصفراء, حيث أنفق أموالا طائلة في تشجير المدينتين, وأشرك الجميع في عملية البناء والتشييد:

” إن عملية التنمية والبناء والتطوير لا تعتمد على من هم في مواقع المسؤولية فقط بل تحتاج إلى تضافر كل الجهود لكل مواطن على أرض هذه الدولة.”

ونجحت الهندسة والريشة في بناء الحلم, ومحو الألوان الباهتة لسنوات الفقر والتخلف. الحلم لم يكتمل وشهية التشييد والبناء أسرت خواطره.


وفي الخمسين, أينعت ثمار الزعيم في شخص الشيخ زايد عندما قرر البريطانيون الانسحاب من منطقة الخليج بعد سنوات من السيطرة والنفوذ. فجرى وراء الفرصة يحبس أنفاسها بين يديه ليتوصل إلى اتفاق مع المرحوم بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم, في منطقة السمحة, التي تقع بين أبو ظبي ودبي، يتضمن الإعلان عن النواة الأولى لقيام دولة اتحادية تضم كلا من أبوظبي ودبي وعجمان والفجيرة ورأس الخيمة والشارقة وأم القيوين.

وتنتهي الهندسة بالفنان الشاعر زعيما لدولة الإمارات العربية المتحدة رسميا في الثاني من شهر ديسمبر من السنة الواحدة والسبعين تسعمائة وألف.

وبوسع الزعيم أن يمضي بالاتحاد قدما إلى نقطة لا تسمح بالرجوع إلى الوراء, أو ترهن لحمة الدولة الجديدة, فالخلل غير مسموح به. فمال إلى إشباع رغبة الاتحاد في البناء والتشييد وسخر الثروة النفطية, وترجم مداخيلها إلى ما يبهر العيون ويخدر العقول. فازدادت الخضرة في كل ربوع الدولة, وزادت المساحات الزراعية, والواحات.

وشهدت الصناعة أوجها في عهده, فأُسست المناطق الصناعية, وشقت مئات الآلاف من الطرقات وشيدت الجسور, والمدارس والجامعات, وانتشرت في كل ربوع الاتحاد المستشفيات والعيادات الطبية الحديثة. وما من قطاع إلا وامتدت إليه يد الشيخ زايد بن سلطان تدعمه وتطوره, وما إن انتهى من تجسيد هندسة رسمه الجديد للاتحاد, إلا وانتعشت الخواطر وأحست بأنها مخدرة من نشوة, كأن نافث الألوان سقاها أروع الصور.

ووقع أجمل المواقف على المستوى العربي, فبادر إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي, الذي تولى قيادته في أول قمة له. ولو سنحت له الفرصة لوحد كل البلدان الخليجية. فهو لها حريص على المهمة, وهو لها الحصن المتين.

والشيخ زايد من هواة الكتابة, فله عدة مؤلفات وكتب بلغة أدبية فصيحة. ولو جرى في مضمار التأليف لكان من الأعلام, ولكن الدولة وعظم المسؤولية أزاحته عن الحبر والورق, إلى أنه حرص أن لا يكون في حياته فراغ, وأصر على أن تقرأ له الأجيال.


على مشارف العقد الثامن من العمر, وضعت الشيخوخة ملفه على طاولة الحياة, وفرضت أحكامها على الجسد المنهك الذي عانى من وعكات صحية متعددة.

ويوم الثلاثاء التاسع عشر من رمضان الموافق للثاني من نوفمبر السنة الرابعة بعد الألفين, تتوقف نبضات الشيخ إلى الأبد, ليرحل الجسد إلى مثواه الأخير, وترتفع الروح إلى خالقها, وتبقى فنونه وهندسته وشاعريته وزعامته حية على أرض الإمارات العربية المتحدة.

ولم تنصف الألقاب العالمية والأوسمة الفاخرة, ولا القلم ما قدمه الشيخ لوطنه وللأمتين العربية والإسلامية. فعلا لواء الإنصاف مرفرفا للفنان المهندس الشاعر الزعيم, ينصفه ويحييه.

وتتالت الرعشات الندية على رمال الصحراء وقد زينها اللون الأخضر, وبسطت الشمس أشعتها الحزينة على أوراق البساتين وقد عانقت بأنظارها قرص الغروب الباكي على فراقه.

وفي كل ربوع الإمارات, آفاق اتشحت بألوان الدمع والأسى, وفجعت الصقور من أعشاشها وهبت الرياح الطيبة تعزي كل الأركان, تزرع فيها كلمات الصبر والسلوان, وتزف البشرى لكل الواحات فالشيخ زايد بنى دولة لا تزول بزوال الرجال.

صورة القصة مركبة من طرفنا ومأخوذة من الصفحتين التاليتين: ص1, ص2