المدينة بأكملها منبوذة من الصغير إلى الكبير, فمنذ أن سطع عليها نور الحرية, وهي عائمة في ظلام التخلف والجمود. اثنان وخمسون عاما مضت على ذكرى النور عارية من مشاريع التصنيع والتنمية, ومكسوة بشتى أنواع الجريمة, الفقر, البطالة وضيق الحال. التائهون في ظلمة الحاضر من أبناء المدينة, والمتوجسون خوفا من طالع الغد, يتجنبون البقاء فيها بالنهار كما يتجنبون الموت. فقد سئمت القلوب مشاهد المقاهي المتكاتفة, وقد فاح منها بخور التدخين والمخدرات والنميمة والكسل, كما تفوح أنتن الروائح من الجيف.

وملت الأعين من الأشجار الآدمية المغروسة في أركان وزوايا الطرقات, لا يضنيها حر ولا برد ولا عاصفة. ولو مر إعصار غونو على المدينة, لاقتلع المباني وبقيت هذه الأشجار الآدمية الغريبة واقفة لا ترض بأن يغيب عن مقلتيها حدث.

ليست أشجارا فحسب, بل هي كاميرات رقمية من آخر صيحة, مزودة بأشعة الليزر والأشعة ما تحت الحمراء, ترصد ما في الأكياس السوداء, وما تحت الألبسة الداكنة, وتخبرك بما يحدث في الظل وفي الليل, وهي أيضا آلات حاسبة خارقة تحسب لك تفاصيل مداخل ومخارج الجيوب والرواتب.

أشجار آدمية منقبضة القلب من سعة الحال, محتقنة الملامح من صور الابتسامة والفرحة, وكلها أمل في أن يتجذر الفقر والمرض في المدينة. وكم تزهو لعائلة فقدت عائلها, أو خلاف فرق بين عروسين, أو مالك فقد سيارته أو ماله, أو شريف حيكت حول صمعته الأباطيل, أو فلاح أنهك الجفاف بستانه.

إنها أشجار آدمية غريبة غزت المدينة, وجهها المنهك بالشر طافح بالنحس.

التائهون في ظلمة حاضر المدينة لقبوا أنفسهم بالسيارات الآدمية, يخرجون منها في الصباح للاسترزاق, ثم يغربون إليها مساء للأكل والنوم. هكذا هم التائهون من أبناء المدينة نوتات خرساء في سولفاج أغنية شاذة.

وليس لمن يسلم يومه للمدينة إلا أن يكون فريسة بين أنياب الآفات والضياع والغفلة, فالبقاء فيها يوما واحدا ليهدد بدمار نفسي رهيب.

وخاف منها أصحاب الأموال والمنغمسون في الأعمال ففروا بحقائبهم يستثمرون رؤوس أموالهم في مدن أخرى, لا وجود فيها للأشجار الآدمية, ولا تتكلم إلا أرقام التجارة والملايين.

وخاف منها الآباء على مستقبل أبنائهم, فقذفوا بهم خارج أسوارها علهم يتعلمون حرفة, أو علما, أو تجارة تنجيهم من عواقب الزمن.

ولا ذنب للمدينة من غباء البشر فقد غنمت من حقبة الاستعمار أحياء جميلة ومنظمة وبساتين ومساحات خضراء, وطرقات واسعة. ولولا هذه الأحياء الفوضوية, وهذه الطرقات التي خدش جلدها الدهر وإهمال الإنسان, لكانت من أجمل المدن. وما شحت من الواعين فلها في كل مجال علم, ولكن العقول الباهتة التي تداولت على عرشها, زرعت فيها بذور التخلف والجمود.

– ” أعوذ بالله من هذه المدينة المشئومة, وعلى أيامها المتشابهة, اليوم نسخة من الأمس والغد سيكون نسخة من اليوم, والكل في تناسخ, الدقائق والثواني, الأشهر والأعوام….”.

هي الكلمات التي اعتاد ابن المدينة إسماعيل حرقها بين شفتيه زفيرا كلهيب ديناصورات ما قبل التاريخ, كلما استنزلت مخيلته صورة حالته المادية الصعبة, ولو أصاب الزفير أحدهم لأحرق شعره أو شوه ملامحه.

– أما في هذه المدينة شيء يبهج الروح ويقتل عنا هذا الفراغ؟

وكيف لإسماعيل أن ينسى سنين الجمر التي قضاها بين أحراش البطالة, وكيف له أن ينسى عشرات طلبات العمل التي أرسلها في كل اتجاه والى كل عنوان دون جدوى.

ووعى إسماعيل أن لا مهرب من الجنون في هذه المدينة إن لم ينفض الغبار عن مخه وساعديه, وتأهب ليجهض نفسه من رحم المستقبل المجهول, ويتخلص نهائيا من الوظائف المؤقتة في ورشات البناء والحقول, وأن يصنع لنفسه بعد التوكل على الله عهدا جديدا من العمل القار, ويحرر من سجن خاطره الكثير من الأحلام والأمنيات.

– يجب أن أعمل

الكلمة التي منحته الشرارة ليحرق بها كل العراقيل التي حالت دون تحقيق أمانيه, ورسمت على محياه بريشة ضاحكة, ابتسامة جميلة وهو يسبح بخاطره يجوب مشروعه الناجح, ويتنفس بعمق قريبا من الصورة التي تراقصت سنين في أنفاسه, ترتجف يداه وهو يلمس أول ثمار العرق, وترتجف شفتاه: الحمد لله

واستنار المنزل بأجواء العيد, وتلاحق الأصدقاء تباعا لمشاركة إسماعيل فرحته, وكلهم إعجاب بإرادته التي كسرت منطق المدينة, وأحالت أشجارها الآدمية الكريهة الى مزابل الفشل, وحضرت الحلويات والشاي والعصير مع بداية مقابلة كروية بين المنتخب الوطني للإمارات, ومنتخب دولة قطر.

تشابكت في أفق الجلسة كل الكلمات والضحكات, وامتزجت معها في الأحلاق نكهة الشاي مع مذاق الحلوى, لكن خاطر إسماعيل تذوق طعما لا يتذوقه الا الناجحون, وتعالت في كلماته ألحان أرسلها للصدى, وكل أمانيه أن تسمعها المدينة.


كتبت سنة 2009